ابن عطية الأندلسي

434

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

عليه وسلم ، وروى أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ، « خير نساء العالمين أربع ، مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد » ، وقد أسند الطبري ، أن النبي عليه السلام ، قال لفاطمة بنته ، « أنت سيدة نساء أهل الجنة ، إلا مريم بنت عمران ، البتول » ، وأنه قال ، « فضلت خديجة على نساء أمتي ، كما فضلت مريم على نساء العالمين » . قال الفقيه الإمام أبو محمد : وإذا تأملت هذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها ، وجدت مريم فيها متقدمة ، فسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على الْعالَمِينَ عموما أيضا ، وقد قال بعض الناس ، إن مريم نبية ، قال ابن إسحاق ، كانت الملائكة تقبل على مريم فتقول ، يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ، الآية ، فيسمع ذلك زكريا فيقول ، إن لمريم لشأنا ، فمن مخاطبة الملائكة لها ، جعلها هذا القائل نبية ، وجمهور الناس على أنه لم تنبأ امرأة . و اقْنُتِي معناه اعبدي وأطيعي ، قاله قتادة والحسن ، وروى أبو سعيد الخدري ، عن النبي عليه السلام قال ، كل قنوت في القرآن فهو بمعنى طاعة اللّه ، ويحتمل أن يكون معناه ، أطيلي القيام في الصلاة ، وهذا هو قول الجمهور ، وهو المناسب في المعنى لقوله ، وَاسْجُدِي وَارْكَعِي وبه قال مجاهد ، وابن جريج ، والربيع ، وروى مجاهد أنها لما خوطبت بهذا ، قامت حتى ورمت قدماها ، وروى الأوزاعي ، أنها قامت حتى سال الدم والقيح من قدميها ، وروي أن الطير كانت تنزل على رأسها ، تظنها جمادا لسكونها في طول قيامها ، وقال سعيد بن جبير ، اقْنُتِي لِرَبِّكِ ، معناه أخلصي لربك ، واختلف المتأولون ، لم قدم السجود على الركوع ؟ فقال قوم : كان ذلك في شرع زكرياء وغيره منهم وقال قوم : الواو لا تعطي رتبة ، وإنما المعنى ، افعلي هذا وهذا ، وقد علم تقديم الركوع ، وهذه الآية أكثر إشكالا من قولنا ، قام زيد وعمرو ، لأن قيام زيد وعمرو ليس له رتبة معلومة ، وهذه الآية قد علم أن السجود بعد الركوع ، فكيف جاءت الواو بعكس ذلك ، فالقول عندي في ذلك ، أن مريم أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة ، وهما طول القيام والسجود ، وخصا بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة ، وإذا العبد يقرب في وقت سجوده من اللّه تعالى : وهذان يختصان بصلاتها مفردة ، وإلا فمن يصلي وراء إمام ، فليس يقال له أطل قيامك ، ثم أمرت - بعد - بالصلاة في الجماعة ، فقيل لها ، وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وقصد هنا معلم من معالم الصلاة ، لئلا يتكرر لفظ ، ولم يرد بالآية السجود والركوع ، الذي هو منتظم في ركعة واحدة واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 44 إلى 45 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) هذه المخاطبة لمحمد عليه السلام ، والإشارة ب ذلِكَ إلى ما تقدم ذكره من القصص ، والأنباء الأخبار ،